مراجعة كتاب “نظام التفاهة” لآلان دونو: كيف نفهم تسيد الرداءة في العالم المعاصر؟
(قسم: قراءات شذرات)
مدخل نقدي: ثورة التافهين
في كتابه الصادم “نظام التفاهة” (La Médiocratie)، يطرح الفيلسوف الكندي آلان دونو أطروحة جريئة مفادها أن العالم لم يعد يُحكم من قبل العباقرة أو القادة الملهمين، بل من قبل “المتوسطين” والتافهين. يرى دونو أن النظام العالمي الحالي صُمم خصيصاً ليناسب الشخصيات التي لا تطرح أسئلة عميقة، وتكتفي بملء الفراغات الإدارية والتقنية.
أولاً: سيطرة “المتوسطين” على مفاصل الدولة والجامعات
يشرح دونو كيف تحولت الجامعات من منارات للفكر النقدي إلى “مصانع للخبراء” الضيقين الأفق. النظام الحالي يكافئ الشخص “الممتثل” الذي لا يزعج السلطة أو المؤسسة بأفكار ثورية. التفاهة هنا ليست غباءً، بل هي القدرة على لعب اللعبة وفق شروط النظام دون النظر إلى الجدوى الأخلاقية أو الفلسفية لما نقوم به.
ثانياً: الاقتصاد التافه وتسطيح الفن والإعلام
يتوسع الكتاب في شرح كيف أدى “اقتصاد السوق” إلى تحويل الثقافة إلى سلعة سريعة الاستهلاك. نرى ذلك في انتشار “المؤثرين” الذين لا يقدمون محتوى ذا قيمة، لكنهم يتصدرون المشهد لأنهم يناسبون النموذج الاستهلاكي الذي يتطلب التسلية المستمرة وتغييب الوعي الجمعي.
ثالثاً: كيف نقاوم نظام التفاهة؟
لا يقدم دونو حلولاً سهلة، لكنه يدعو إلى “العودة إلى المعنى”. المقاومة تبدأ برفض المصطلحات الجوفاء، والتمسك بالعمق المعرفي، وإعادة الاعتبار للعلوم الإنسانية والفلسفة التي تجبر الإنسان على التفكير فيما وراء المظاهر.
معلومات أساسية عن الكتاب
-
العنوان: نظام التفاهة
-
العنوان الأصلي: La médiocratie
-
المؤلف: آلان دونو، فيلسوف وكاتب نقدي
-
الترجمة العربية: د. مشاعل عبد العزيز الهاجري
-
الناشر: دار سؤال – بيروت
-
سنة النشر: حوالي 2020–2022
-
عدد الصفحات: حوالي 350–365 صفحة
الفكرة الأساسية للكتاب
يركز الكتاب على تحليل ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية معاصرة، تتمثل في تفشي الرداءة أو الوسطية كقيمة معيارية في المجتمعات الحديثة. يصف المؤلف هذا الواقع بأنه نظام للتفاهة، حيث تصبح الرداءة والمستوى العادي هي القاعدة في تولي المناصب وصنع القرار، بينما يتم تهميش المتميزين والأفكار النقدية.
المحاور الرئيسية للكتاب
-
التفاهة كمبدأ مسيطر
يوضح الكتاب كيف أصبحت التفاهة أداة نظام اجتماعي وسياسي، يتحكم في من يتولى مواقع السلطة، ويكافئ الوسطية على حساب الكفاءة والتميز. -
العلاقة مع النظام الرأسمالي الحديث
يرى المؤلف أن نظام التفاهة نتاج التطورات في الرأسمالية والثقافة الاستهلاكية، حيث تتحول القيم إلى سلع، ويصبح المستوى المتوسط معيارًا بدل الجودة أو الإبداع. -
أبعاد التفاهة في الحياة اليومية
يناقش الكتاب انتشار التفاهة في مجالات متعددة مثل الإعلام ووسائل التواصل، حيث يهيمن المحتوى السطحي، وكذلك في التعليم والمؤسسات الأكاديمية، حيث تُقدَّر المعايير الشكلية على حساب المعرفة الحقيقية، وفي السياسة والثقافة، حيث يُعطى صوت لمن لا يمتلك رؤية نقدية. -
تأثير النظام على الفكر والمجتمع
يشير الكتاب إلى أن هذا النظام يقلل من قدرة المجتمع على التفكير النقدي والإبداع، ويهمل التفوق والتميز، بينما تحافظ القوى المسيطرة على امتيازاتها من خلال الإعلام والسياسات العامة.
وجهات نظر نقدية حول الكتاب
-
يرى بعض النقاد أن الكتاب يضع تسميات واضحة لأزمة ثقافية متفشية في المجتمعات، خصوصًا في التعليم والإعلام.
-
آخرون يشيرون إلى أن مصطلح «التفاهة» قد يثير التباسًا، وأن الفكرة الأعمق تتعلق بالمستوى المتواضع أو رداءة الفكر بدلًا من السطحية السخيفة.
أهمية الكتاب
يُعد الكتاب قراءة نقدية لواقعنا المعاصر، حيث يوفر أداة تحليل لفهم تراجع جودة الخطاب العام وسلطة الوسطية على أماكن القرار، ويربط ذلك بأسباب هيكلية في الثقافة الاستهلاكية ونظم السلطة الحديثة. لذلك هو مهم للقراء المهتمين بالفلسفة الاجتماعية والنقد الثقافي والسياسي.