قراءات شذرات: عبقرية الإدارة والنهضة – قراءة في كتاب “استرداد عمر”
مدخل: لماذا نحتاج إلى “استرداد” عمر بن الخطاب اليوم؟
لا يمثل عمر بن الخطاب في الوجدان العربي والإسلامي مجرد خليفة عادل أو فاتح عظيم، بل يمثل “النموذج الذهبي” للمؤسس الذي نقل الدولة من الحالة العفوية إلى الحالة المؤسسية. يطرح الدكتور أحمد خيري العمري في كتابه “استرداد عمر” أطروحة مفادها أننا لم نفهم عمر كما ينبغي؛ لقد حصرناه في قصص الزهد والعدل المطلق، وأغفلنا “المنطق العمري” في الإدارة، والتخطيط، واستشراف المستقبل. إن عملية “الاسترداد” التي يدعو إليها الكتاب هي استرداد للمنهج العقلي الذي أداره عمر ليكون صالحاً للتطبيق في تعقيدات القرن الحادي والعشرين، خاصة في ظل ما نناقشه في أقسام الاقتصاد والإدارة حول بناء المؤسسات المستدامة.
أولاً: التعريف بالمؤلف (أحمد خيري العمري.. طبيب الوعي الحضاري)
أحمد خيري العمري، كاتب وطبيب عراقي، يُعد من أبرز الأصوات المعاصرة التي تتبنى مشروع “إعادة صياغة الوعي” عبر تنقية التراث من المفاهيم الراكدة وربطه بقوانين النهضة. تميز العمري بأسلوبه الأدبي الرصين وقدرته على استنطاق التاريخ برؤية تحليلية تقترب من فكر مالك بن نبي. في “استرداد عمر”، يطبق العمري أدوات التحليل النقدي ليفكك شخصية الفاروق، ليس كأيقونة تاريخية جامدة، بل كطاقة حركية قادرة على إلهامنا في رؤى استشرافية نحو بناء دول حديثة تقوم على العدل والمنتج المعرفي.
ثانياً: عمر بن الخطاب “المؤسس”.. من القبيلة إلى الدولة
يركز الكتاب في فصوله الأولى على التحول الهيكلي الذي أحدثه عمر. لقد أدرك الفاروق أن الدولة لا يمكن أن تستمر بـ “البركة” أو العاطفة وحدها، بل بالأنظمة.
-
تمصير الأمصار وتدوين الدواوين: كانت هذه الخطوات بمثابة التأسيس لـ “البيروقراطية الناجحة” التي تضمن حقوق الأفراد وتوزع الثروات بعدالة.
-
فصل السلطات: يحلل العمري كيف وضع عمر بذور استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، وهو مفهوم حديث جداً ندرسه اليوم في علوم السياسة والحوكمة. هذا التنظيم هو ما مكن الدولة من الاستقرار والنمو لتصبح لاحقاً رائدة في العلوم والتقنية.
ثالثاً: المنطق العمري في إدارة الأزمات
يخصص العمري جزءاً كبيراً من الكتاب لتحليل سلوك عمر في “عام الرمادة”. هنا يظهر عمر “رجل الدولة” الذي لا يكتفي بالدعاء، بل يضع خطط طوارئ اقتصادية شاملة.
-
إدارة الموارد: كيف استطاع عمر إدارة المخزون الاستراتيجي وتأمين طرق الإمداد.
-
المرونة التشريعية: يُبرز الكتاب شجاعة عمر في تعليق بعض الحدود (مثل حد السرقة) مراعاةً للظرف الإنساني، مما يعكس فقهاً مقاصدياً عميقاً يضع “الإنسان” فوق “النص الجامد”، وهو ما نحتاجه اليوم عند مناقشة قضايا بحثية معاصرة تتعلق بالتشريع والمجتمع.
رابعاً: سيكولوجية الفاروق.. الجمع بين القوة والرحمة
يغوص الكتاب في تحليل الشخصية الإنسانية لعمر؛ كيف تخلص من “جاهلية” النفس ليرتقي إلى “عالمية” الفكر.
-
الشورى كمنهج عمل: لم تكن الشورى عند عمر مجرد إجراء شكلي، بل كانت “مختبراً للأفكار” يشرك فيه الشباب والنساء وأصحاب الخبرة. هذا الانفتاح المعرفي هو ما نطلق عليه اليوم “الذكاء الجمعي”، وهو المحرك الأساسي لـ اقتصاد المعرفة.
-
النقد الذاتي: كان عمر يطلب من الناس تقويمه، مما خلق بيئة من “المحاسبية” (Accountability) هي الأرقى في تاريخ النظم السياسية.
خامساً: استرداد عمر في زمن “نظام التفاهة”
في هذا القسم، نقارن بين الحزم العمري وبين السيولة الأخلاقية التي يصفها آلان دونو في نظام التفاهة.
-
الاستحقاق مقابل المحسوبية: كان عمر يولي “الأكفأ” لا “الأقرب”. في نظام التفاهة، يتصدر المتوسطون؛ أما في “النظام العمري”، فلا مكان إلا للمبدعين والجادين.
-
هيبة القانون: كيف استطاع عمر جعل القانون يسري على الجميع، بدءاً من ابنه وصولاً إلى كبار القادة، مما خلق “ثقة مجتمعية” هي الرأسمال الحقيقي لأي نهضة.
سادساً: استشراف المستقبل بالروح العمرية
يختتم العمري كتابه بالتأكيد على أن “عمر” ليس خلفنا في التاريخ، بل يجب أن يكون أمامنا كهدف. إن استرداد عمر يعني:
-
بناء مؤسسات لا تموت بموت الأشخاص.
-
تحويل القيم الدينية إلى برامج عمل اقتصادية واجتماعية.
-
الجرأة في اتخاذ القرارات التي تخدم المصلحة العامة حتى لو خالفت العرف السائد.
خلاصة قراءات شذرات: المنهج لا الشخص
إن “استرداد عمر” هو دعوة لتبني “العقلية العمرية” التي تجمع بين الإيمان المطلق بالقيم وبين العقلانية المطلقة في التنفيذ. في موقع “شذرات”، نرى أن هذا الكتاب هو وثيقة عمل لكل باحث يريد فهم كيف تدار الدول وتُبنى الحضارات من نقطة الصفر، وكيف يمكن للبيانات والحقائق أن تخدم العدالة الاجتماعية في ظل الجيوسياسة السيبرانية المعقدة.
مراجع القراءة والمصادر العلمية
-
أحمد خيري العمري، “استرداد عمر: من السيرة إلى المسيرة”، عصير الكتب للنشر.
-
شبلي النعماني، “الفاروق عمر بن الخطاب”، (مرجع تاريخي كلاسيكي استند إليه المؤلف).
-
محمد رشيد رضا، “سيرة الفاروق”، (تحليل سياسي وإداري).
-
دراسة معاصرة: “أدوات الإدارة العمومية في عهد عمر بن الخطاب”، جامعة الملك سعود.
-
عباس محمود العقاد، “عبقرية عمر”، (لتحليل الجوانب النفسية والقيادية).